القول المبين في فتنة علي و عثمان أميرا المؤمنين

 

القول المبين في فتنة علي و عثمان أميرا المؤمنين

 

كثير من الكتاب و المؤرخين – حتى من القدماء – خاضوا في تلك الحقبة الأليمة في تاريخ المسلمين ، بل و سولت لهم أنفسهم في معظمهم أن يعيثوا فيها فسادا ، بل و يحملوا على فرقة ضد الأخرى ، فيتعاطفون مع طائفة ، و يوغرون الصدور على الأخرى ، ناسين أو متناسين أن من يتحدثون عنهم هم صحبة خير الخلق الذين اصطفاهم الله لصحبة الحبيب المصطفى عليه الصلاة و السلام . و كان نتاج ذلك حقبة شوهاء في تاريخ المسلمين ، و منطقة خطر لا يقدم على الحديث فيها أحد فيصيب إلا من رحم ربي ، و لكن أعفن الثمار التي أثمرتها مثل تلك الكتب المفسدة ، تشويه صور بعض أولئك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، بل و الطعن فيهم ، أو الإفراط في محبتهم و الغلو في مناصرتهم إلى حد التأليه أو التقول عليهم ما لم يقولوا ، رضي الله عنهم أجمعين .

 

و لفترة طويلة ظل ذلك الموضوع يثير في نفسي شغفا لمعرفة المزيد ، فلم أجد مما وقع بين يدي من المؤلفات إرواءا لغليلي و لا إطفاءا لظمئي لمعرفة الحقيقة ، بل و زادتني تلك الكتب تشويشا حتى كنت أتهم في نفسي بعضهم لا شعوريا – أسال الله أن يعفو عني. ثم كان أن من الله علي  ووقعت على كتاب هو من أنفس ما أنجبت قريحة مسلم ، و لا غنى عنه في أي بيت مؤمن محب للرسول الأكرم ، و هو كتاب الشيخ البوطي حفظه الله ورفع قدره في عليين (( فقه السيرة النبوية و موجز تاريخ الخلافة الراشدة )) ، و يشهد الله أني ما فرغت من قراءته حتى هدأت نفسي و سكنت ، و ذاب لدي كل شوق للخوض في تلك الحقبة مرة أخرى ، فجزاه الله عنا خير الجزاء . و رأيت من شكر الله علي أن أنشر ما علمني عسى أن يكون نبراسا لغيري كذلك ، فسألخص لكم ما جاء به العلامة حفظه الله ، و الله من وراء القصد و هو على ما أكتب شهيد . و لكن قبل الخوض في الموضوع لا غنى عن مقدمة موجزة لبيان فضل و قدر الصحابة يضعها نصب عينيه من أراد أن يتحدث في شأنهم .

 

ففي القرآن

۞ و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ۞ (التوبة : 100)

 

۞ و الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله و الذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة و رزق كريم ۞ (الأنفال : 74)

 

۞ الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم أعظم درجة عند الله و أولئك هم الفائزون ۞ (التوبة : 20)

 

بل و قرنهم الله بنبيه صلى الله عليه و سلم تشريفا لهم و تعظيما لمقامهم ۞ محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله و رضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ۞ (الفتح : 29 )

فكيف يُسَبُّ من أثنى الله تعالى من فوق سبع سماوات عليهم في كتابه بأثر السجود ؟؟

 

و أما ما قال فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم

* فروى عنه أبو سعيد الخدري (( لا تسبوا أصحابي ، لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم و لانصيفه )) رواه البخاري (3397)

 

* و عن عمران بن حصين  (( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ))  صحيح – أخرجه البخاري

* و عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري عن الني صلى الله عليه و سلم (( النجوم أمنة للسماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، و أنا أمنة لأصحابي ، لإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، و أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون )) أخرجه مسلم (4596)

 

* (( من سب أصحابي فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين )) – صحيح الجامع (6285)

أي أن اصحاب رسول الله أمان للمسلمين من ظهور البدع  و الفتن في الدين ، فهم سبب لحفظ الأمة في عصرهم ، فمن أعظم منهم فضلا من الخلق بعد الحبيب المصطفى ؟؟؟

 

قال الذهبي في كتابه ((الكبائر)) : ” الكبيرة السبعون سب أحد من الصحابة “

و قال الإمام أحمد : ” إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله بسوء فاتهمه على الإسلام “

و قال الإمام مالك :” من شتم النبي قُتل ، و من سب أصحابه أُدب ” .

 

و قال ابن عثيمين في (( شرح الواسطية )) : ” و في الحقيقة إن سب الصحابة رضي الله عنهم ليس جرحا في الصحابة فقط بل هو قَدْح في الصحابة ، و في النبي صلى الله عليه وس لم ، و في شريعة الله ، و في ذات الله عز و جل . فأما كونه قدحا في الصحابة فواضح .

و أما في رسول الله  فحيث كان أصحابه و أُمَناؤه و خلفاؤه على أمته من شرار الخلق !!! ، و فيه قدح من وجه آخر ، و هو تكذيبه صلى الله عليه و سلم فيما أخبر من فضائلهم و مناقبهم !!!

و أما كونه قدحا في شريعة الله ، فلأن الواسطة بيننا و بين رسول الله في نقل الشريعة هم الصحابة ، فإذا سقطت عدالتهم لم يبق ثقة فيما نقلوه .

 و أما كونه قدحا في الله سبحانه و تعالى ، فحيث بعث الله نبيه في شرار الخلق !! و اختارهم لصحبته و حمل شريعته و نقلها لأمته } هذا ناهيك عن مدح الله لهم في كتابه ، أفهم أعلم أم الله ؟؟ و ﴿ من أصدق من الله قيلا ؟؟ سبحان الله !!! { ” ا.هـ .

 

————-

فمن يرمي أصحاب الحبيب بالكفر أو الردة فهذا كافر مرتد قطعا ، لأنه كمن يقول : إن القرآن و السنة نقلهما لنا كفار ، و هذا يخالف كلام الله في القرآن ، و كلام الحبيب في السنة في عدالتهم ، فمن بقي إذن لنصدق إذا كذبنا ما أخبرنا به الله و رسوله ؟؟؟!!!!!

أما من يسبهم بما لا يقدح في دينهم و عدالتهم كوصفهم رضي الله عنهم بالجبن أو قلة العلم ، فذلك يُؤدب و لا يُكفَّر . ( من كتاب  “حياة الشيخين  بتصرف سيد مبارك أبو بلال )

 

كانت تلك قطرة من بحار أفضال أولئك الأحباء المرضي عنهم ، كفى بهم شرفا أنهم كانوا خير الرفقاء و العون لرسول الله الذي خذلناه نحن في عصرنا .

 

_______________________________

 

خلافة سيدنا عثمان بن عفان ذي النورين صاحب رسول الله و ثالث الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنه

 

أولا : فضله رضي الله عنه :

أخرج ابن عساكر عن أبي ثور الفهمي ، قال : دخلت على عثمان و هو محاصر ، فقال : (( لقد اختبأت عند ربي عشرا : إني لرابع أربعة في الإسلام ، و جهزت جيش العسرة ، و أنكحني رسول الله ابنته ، ثم توفيت ، فأنكحني ابنته الأخرى ، و ما تغنيت و ما تمنين ، و لاوضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله ، وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا و أنا أعتق فيها رقبة … ، و لازنيت في جاهلية و لا إسلام قط ، و لا سرقت في جاهلية و إسلام قط ، و لقد جمعت القرآن على عهد رسول الله ))

قال عنه النبي الأكرم : (( ذلك رجل تستحي منه الملائكة))

و في جيش العسرة الذي جهزه في غزوة تبزك : (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ))

و تنبأ له بتلك الفتنة : (( بشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه ))

 

ثانيا : التعقيب على سياسته رضي الله عنه

كان يولي قراباته من بني أمية و يعزل الكثير من الصحابة ، و كان رضي الله عنه يتأول ذلك صلة الرحم اجتهادا منه . و ما ينبغي مهما كان رأينا في سياسته أن يدفعنا ذلك إلى سوء أدب في التحليل أو القول مع صاحب رسول الله ، و لا أن ننسى أياديه البيضاء في الإسلام و مقالة الرسول له في غزوة تبزك .

و اعتراض الصحابة في حينها و مناقشتهم له رضي الله عنه إنما كان نقدا إيجابيا بناءا معالجة لأمر قائم يمكن تغييره ، أما خوضنا نحن في هذا اليوم و قد طوي الأمر بأحداثه و مآسيه ، فهو مجرد تطاول رخيص على أصحاب نبي الله .

(( و يكفي لمن ابتغى الأمانة العلمية ، الوقوف على الأحداث عند الحدود التي التزم بها الرواة الثقات من أمثال الطبري و ابن كثير )) .

 

و العجب أن من يتجرأ و ينسب الفتنة إلى عثمان رضي الله عنه ، يغفل دور عبد الله بن سبأ اليهودي أخزاه الله ، الذي أخذ يؤلب الناس في مصر على عثمان ، و يزرع في رأسهم الخرافات المريضة ، فكان مما قاله أخسأه الله : (( أليس محمد أفضل من عيسى عند الله عز و جل ؟! إذن فمحمد أحق بالعودة إلى الناس من عيسى ، و إنما يعود محمد في شخص ابن عمه الذي هو اقرب الناس إليه ))!!!!!!!!!!!!!

 

و لم يكن بين سيدنا علي و عثمان أي ضغائن أو أحقاد أو تطلع إلى الخلافة – نزههم الله عن ذلك – و إنما النصح لله و لرسوله و لأئمة المسلمين ، و من يقرأ سيرهم في الكتب الثقات ، يدرك مكانة سيدنا علي في خلافة الخلفاء الثلاثة الأول رضي الله عنهم أجمعين.

__________________________________

 

سيدنا علي كرم الله وجهه أول من أسلم من الصبيان و صاحب رسول الله و ابن عمه و القائل فيه : ” علي مني و أنا منه ” رضي الله عنه

 

أولا : فضله

– أول من فدى النبي كما هو معلوم ليلة الهجرة

– هو الذي قال فيه النبي : (( لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله ، و يحبه الله و رسول ))

سبحان الله ! فكيف لمثل هذا أن يتنازع على الإمارة و الملك ، و هو رهباني هذه الأمة !!

– قال له النبي (( ألا ترضى أن تكون مني بمزلة هاررون من موسى )) لما خلفه الرسول على المدينة في غزوة تبوك  بدل أن يندبه للخروج معهم .

– لقب بالإمام لتميزه في العلوم الشرعية و العربية و فقهه الواسع

 

ثانيا : الخلاف في القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه

 

لم يكن الأمر محل خلاف قط ، كل ما هنالك أن السيدة عائشة و طلحة و الزبير و من معهم كانوا حريصين على البدء بالقصاص من قتلة عثمان ، أما سيدنا علي فكان يرى البدء أولا بتوطيد أركان الدولة بعد الفتنة التي عصفت بها ، حتى يستتب الأمر و يستبين الحق ، و ما كان أبدا بأقل حرصا على الظفر بقتلة عثمان ، و هو الذي لطم الحسن و الحسين قائلا لهما : أيقتل عثمان و انتما واقفان ببابه ؟؟

 

و لكن الذي أوقع بين الطائفين هو ابن السوداء سود الله وجهه عبد الله بن سبأ ، بعث أعوانه ليغيروا على الطرفين في الليل بعدما تم الصلح ، ليحسب كل فريق أن الآخر بدأه بالغدر . و كان ابن سبأ هذا هو الذي أشعل الفتنة في عهد عثمان و تسبب بقتله ، وهو كذلك لعب دورا في تأليب الخوارج على سيدنا علي ، حتى قتل رضي الله عنه على يد عبد الرحمن بن ملجم .

و العجيب أن كتب التاريخ تنصرف إلى التركيز على ما وقع بين الصحابة و تخوض في أعراض الطاهرين ، في حين تترك أصابع الفتنة دون تعريتها بالمثل . إن الكتابة عن تلك الفتنة بذلك الأسلوب كما يقول البوطي (( جزء لا يتجزأ من المكيدة ذاتها ))

 

ثالثا : رفض معاوية بن ابي سفيان مبايعة علي رضي الله عنه

أنقل لكم ما كتبه البوطي : (( يقينا منا بإخلاص سيدنا علي كرم الله وجهه فيما يفعل و يذر ، و بأنه لا يتبع في ذلك هوى نفسه ، و يقينا بعلمه الغزير ، و نظرا إلى أنه قبل مبايعة الناس بعد مقتل عثمان ، و اعتبر مخالفة معاوية له و إصراره على عدم مبايعته بغيا – فإننا تقرر ما أقره جمهور علماء المسلمين و أئمتهم من أن معاوية كان باغيا في الخروج على علي ، و أن عليا هو الخليفة الشرعي بعد عثمان ))

(( غير اننا يجب ألا ننسى أن الباغي مجتهد و متأول }فكان رفض معاوية على أساس افتراق أهل العقد و الحل من الصحابة في مختلف الأمصار و أن البيعة لا تتم إلا بموافقتهم جميعا ، أما سيدنا علي فكان يرى أن البيعة تمت له بموافقة اهل المدينة وكفى { و إذا جاز لسيدنا علي صاحب الاجتهاد المقابل أن يحذره ثم ينذره ثم يقاتله ، فإنه لا يجوز لنا و قد انطوى العهد أن نتخذ من انتقاص معاوية ديدنا ـ و أن نقف منه -دون أي فائدة مرجوة- موقف الند من عدوه اللدود ، و حسبنا في مجال العقيدة أن نعلم طبقا لقواعد الشريعة، أن عليا كان الخليفة الشرعي ، و أن معاويا كلن باغيا في الخروج عليه ، ثم نكل الامر و الحساب إلى الله عز وجل ))

 

رابعا : في طعن البعض في عمرو بن العاص لمناصرته معاوية :

 

يقال عنه ما قيل من قبل من عدم جواز سوء الأدب في الحديث عنه أو سب صحابة الحبيب ، و حسبنا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه (( أسلم الناس ، و آمن عمرو )) ، و كان ممن قادوا جيوش محاربة الردة في عهد الصديق ، ثم أكثر الله على يديه الفتوحات في عهد الفاروق ، و حسبنا من سيرته العطرة المشهد التالي قبيل وفاته :

 

لما أحس بدنو أجله ، قال لابنه :

كنت على ثلاث حالات عرففت نفسي فيها ..

كنت أول شئ كافرا ، فلو مت حينئذ لخلدت في النار .

فلما بايعت الرسول ، كنت أشد الناس حياءا منه  حتى إني ما ملأت عيني منه قط ، فلو مت حينئذ لقال الناس : هنيئا لعمرو أسلم على خير و مات على خير .

ثم تلبست بعد ذبلك بأشياء لا أدري هي لي أم علي ؟؟

ثم أدار وجهه إلى الجدار و قال :

اللهم أمرتنا فعصينا

و نهيتنا فما انتهينا

و لا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين

ثم طوق عنقه بيديه كأنهما قيد ، و رفع طرفه إلى السماء و قال :

اللهم لا قوي فأنتصر

و لا برئ فأعتذر

و ما أنا بمستكبر

و إنما مستغفر

فاغفر لي يا غفار

و ما زال يرددها حتى فاضت روحه

 

رضي الله عن صحابة رسول الله أجمعين

___________________

أحسن ما قيل في تلك الفتنة :

 

قول عمر بن عبد العزيز : تلك دماء طهر الله أيدينا منها فلا نخضب ألسنتنا بالخوض فيها

 

و قول أحد التابعين الفقهاء لما سئل عنها : ۞ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم و لا تسئلون عما كانوا يعملون۞

________________

المراجع :

فقه السيرة النبوية البوطي

صور من حياة الصحابة عبد الرحمن رأفت باشا

سيرة الصحابة الدكتور محمد الصلابي

فضائل الصحابة البخاري

رجال حول الرسول خالد محمد خالد

( هذه كتب ثقات بإذن الله لمن أراد الاستزادة من أخبار الصحابة )

 

 

خادمـة الإسـلام

https://guidanceforall.wordpress.com

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: