أصلي و أقرأ القرآن لكن قلبي قاس كالحجر .. أرشدوني يرحمكم الله

قسوة القلب: نقاط لتليينه.. ويبقى هذا حال المؤمنً

 

السؤال السلام عليكم،

هل يمكنكم أن تساعدوني كي أجعل قلبي ليِّنا، لأنَّ قلبي قاسٍ جدّا، فأنا أقرأ القرآن، وأصلِّي، وأفعل كلَّ ما يجب أن أفعله، ولكن لا شيء يتغيَّر.

أكاد أقتل نفسي بسبب قسوة قلبي، وأظنُّ أنَّ الله غاضبٌ عليّ، والدليل قلبي.

أرجوكم ساعدوني لأنَّ حياتي حزينةٌ جدّا، وأعتقد أنَّ السبب هو حال قلبي.

جزاكم الله خيرا.

والسلام عليكم.

 

 

المفتي الدكتور كمال المصري

 

أختي الكريمة زاهية،

كم هو مهمٌ أن يتابع المرء أحوال قلبه ويراقبه، فإنَّما سمِّي قلباً لكثرة تقلُّبه، ولقد أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم بضرورة المحافظة على هذا القلب قائلا: “… ألا وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب”رواه البخاري، ولا يَصلح الظاهر حتى يَصلح الباطن، وما أجمل ما كان يقول الواعظ يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: “عملٌ كالسراب، وقلبٌ من التقوى خراب، وذنوبٌ بعدد الرمل والتراب، ثمَّ تطمع في الكواعب الأتراب؟ هيهات، أنت سكرانٌ بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلَّك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو بادرت هواك“.

 

واسمحي لي -أختي- أن أطمئنك بأنَّ ما تشعرين به هو شعورٌ طبيعيٌّ ينتاب الإنسان أحيانا، مصداقاً لحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم: “إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّة، ولكلِّ شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنَّتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك”رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبَّان في صحيحيهما، وروى الترمذيُّ نحوه وقال: حسنٌ صحيحٌ غريب.

 

واسمحي لي أيضاً أن أقول لك أنَّ ما تشعرين به من حزن، يجب أن يكون هو سبب سعادتك، فهو دليلٌ على يقظتك، وحرصك على محاسبة نفسك، ومحاسبة النفس من أهمِّ العوامل التي تورث رقَّة القلب، يقول التابعيُّ الجليل ميمون بن مهران: “لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشدَّ محاسبةً من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه، ومطعمه، ومشربه“.

والمحاسبة صفةُ عظيمةٌ أقسم الله سبحانه بها فقال: “ولا أقسم بالنفس اللوَّامة”، وهي تلك التي تلوم صاحبها على كلامه وأفعاله، لينقِّيها ممَّا شابها من أدران المعاصي، وابتغاء غير وجهه سبحانه، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر“.

 

والحمد لله أنَّ قسوة قلبك لم تؤدِّ بك إلى ما يخالف سنَّته صلى الله عليه وسلم، فأنتِ ما زلتِ -ما شاء الله- محافظةً على الفرائض والنوافل والطاعات والذكر -كما فهمت من قولك: “أقوم بكلِّ ما يجب عليَّ فعله”، فلا تقلقي كثيراً لما ترَيْن، فهي حالةٌ طبيعيَّةٌ تجتاح النفس البشريَّة، وتأخذ وقتها وتمضي إن شاء الله، بشرط الحفاظ على ما تقومين به من طاعات، وعدم الاستسلام لليأس، هذه النقطة الأولى.

 

نقطةٌ ثانية: لكلِّ إنسانٍ بعض الطاعات المحبَّبة له في التقرُّب لله تعالى، أعمالٌ يحبُّها أكثر من غيرها، ويشعر من خلالها بالقرب من الله أكثر من أعمالٍ أخرى، وتختلف هذه الطاعات من شخصٍ لآخر، كلٌّ حسب نفسيَّته وطبيعته وفطرته، وأما وأنت في هذه الحالة من الإحساس بقسوة القلب، فأنصحك بالإكثار من الأعمال التي تشعرين أنَّها تقرِّبك أكثر من ربِّك سبحانه، إن كانت قراءة القرآن فأكثري من قراءته وفضِّليها على غيرها من النوافل والطاعات، وإن كانت قيام الليل فالتزمي ببرنامجٍ مكثَّفٍ من قيام الليل زائدٍ عن الحدِّ الطبيعيِّ الذي كنت تقومين به إن كنت تقومينه، وإن كان السجود فاستزيدي منه وأطيلي، وإن كان التصدُّق فأنفقي حتى لا تعلم شمالك ما تنفق يمينك، وهكذا.. أكثري من الأعمال المحبَّبة إليك، والتي تقرِّبك من ربِّك.

ومن الأعمال التي تُلين القلوب أيضا: المسح على رأس اليتيم، إطعام الفقراء وتفقُّد أحوالهم، التفكُّر في نعم الله، وعيادة المرضى وغيرها، فحاولي الإكثار من هذه الأعمال.

 

نقطةٌ ثالثةٌ تحدَّثنا عنها مراراً وتكراراً في الاستشارات، وهي أنَّ الإيمان في ديننا ليس صلاةً وقراءة قرآنٍ فقط، بل هو ممارسةٌ وفعلٌ ومعاملةٌ كذلك، فعندما يصف ربُّنا سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: “وإنَّك لعلى خلقٍ عظيم”، “فبما رحمةٍ من الله لنت لهم، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك”، ويحثُّنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بفعله على حسن الخلق، كما وصفه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحِّشا، وإنَّه كان يقول: “إنَّ خياركم أحاسنكم أخلاقا”رواه البخاري، وعندما يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الرائع حقّا: “تبسُّمك في وجه أخيك صدقةٌ لك، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة”رواه الترمذيّ، وقال: حسنٌ غريب، ورواه ابن حبَّان في صحيحه، وعندما يحكي صلى الله عليه وسلم: “بينما رجلٌ يمشي بطريق، وجد غصن شوك، فأخذه، فشكر الله له فغفر له”رواه أحمد والبخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذيّ، وعندما يأمرنا صلى الله عليه وسلم بالسماحة: “رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى”رواه البخاريُّ وابن ماجه، ويصف المنافق بـ “آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”رواه أحمد والبخاريُّ ومسلم.

كل هذا الكمِّ من الأوامر والفضائل “المعاملاتيَّة” ليست لمجرَّد العلم، بل هي للممارسة أيضا، وهي لها –إذا ما طبَّقناها- علاقةٌ بزيادة الإيمان في قلوبنا، ولو كانت ليست لها علاقة بالإيمان، فمعذرة، فما فائدتها؟ ولماذا وردت؟ ولماذا حثَّ ديننا عليها وأمر بها؟

هذه مشكلة كبرى –أختي الكريمة- نحيا فيها.. الدين المعاملة، الدين المعاملة، الدين المعاملة، خذي زادك الإيمانيَّ من هذه المعاملات.. ابتسمي في وجوه الناس تزدادي إيمانا، أميطي الأذى عن الطريق، وتذكَّري أنَّ من فعل ذلك وشكر الله غفر الله له، فاشكري الله، واستشعري مغفرة الله لك، عاملي الناس بخلق حسن تكوني بجوار نبيك صلى الله عليه وسلم، كوني سمحةً سهلةً ليِّنةً مع الناس يرتفع إيمانك، تقرَّبي إلى الله بالمعاملة كما تقرَّبت إليه بالطاعة.. أتقني عملك، التزمي في مواعيدك التي تعدين بها، ولسفيان الثوريِّ رحمه الله مقولةٌ جميلةٌ في ذلك: “الكذب منازل، فأعلاها، وأكثرها ضررا: إخلاف المواعيد”، فالتزمي أن تجعلي كلَّ حياتك قربةً إلى الله تعالى، وعندئذ لن تحسِّي بقسوة القلب أو بالتراجع الإيمانيّ، وسيكون ذلك -أيضا- وسيلةً لزيادة الإيمان.

 

نقطةٌ رابعةٌ لن أتحدَّث عنها طويلا، لأنَّنا ناقشنا بالتفصيل في استشارةٍ سابقة، وهي أن نعمل وعيننا على رؤية النتيجة في الآخرة لا في الدنيا، ما الذي يضرُّنا أن تؤخَّر ثمرات أعمالنا إلى يوم القيامة فنأخذها أضعافاً مضاعفة؟ لنكن طمَّاعين فنبقى مجاهدين متعبين من قسوة قلوبنا، يؤرِّقنا الهمُّ الحزن بسبب ذلك، ونرضى بذلك، ونسأله تعالى أن يؤخِّر لنا أجرنا إلى يوم القيامة.

وللتفصيل في هذه النقطة، الرجاء قراءة الاستشارة التالية:

عناء المسير إلى الله تعالى: لنكن طمَّاعين!

 

وأخيرا، أنصحك بالدعاء، فهو سلاحٌ خطيرٌ تكمن قوَّته في اليقين بإجابته، وفي هذه النقطة أودُّ أن أذكِّرك أنَّه مطلوبٌ من كلِّ مسلمٍ أن يستيقن بأنَّ الله سيجيب دعاءه، حيث قال تعالى في كتابه الكريم: “وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم”، وقال: “وإذا سألك عبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان”، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذيّ: “ادعوا الله، وأنتم موقنون بالإجابة”، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم بأنَّ الله ينزل في الثلث الأخير من الليل في السماء الأولى، ويقول: “من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟”متَّفقٌ عليه.

فالشعور باليقين عند الدعاء جزءٌ من الإيمان بقدرة الله، وأنَّه لا يُعجِزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو الذي بيده ملكوت السماوات وما بينهما، فاسألي الله، وألحِّي عليه في الدعاء فإنَّ من داوم طرق الباب أوشك أن يُفتَح له.

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: