القرآن يتفلت مني و أُنساه .. هل أترك حفظه بالكُلَّيَة؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أنا فتاة عمري 25 سنة … أقوم بحفظ القرآن الكريم ولكن تواجهني مشكلة في الحفظ، وهي أني لا أستطيع في الاستمرار .. بالرغم أني ملتزمة جداً بما أحدده كنت أحفظ الصفحتين المتقابلتين في أسبوع حفظ جيد جداً.. ولكن بعد فترة جزء مثلاً أحس أني نسيت ما حفظته فأقوم بمراجعته.. أحس أني لا أركز فيه بعض الشيء. . فجعلت الحفظ مع المراجعة القديم من الأول.. ولكني أحس أني ناسية كل شيء وكأني أحفظ من جديد..

 

قرأت وسائل كثيرة وطرقا تعين على الحفظ ومنها قراءة ما حفظت في الصلاة ولكن من غير فائدة.. حين أصلي بالآيات التي أحفظها، فإذا به أنسى بعضها في الصلاة.. ولكني كنت مستمرة في الحفظ وكنت أحفظ سورة البقرة إلا صفحتين، إلى أن سمعت في أحد الدروس بالمسجد أن أكثر الناس عذابا يوم القيامة من يحفظ القرآن وينساه..

 

والله بكيت في المسجد وشعرت بخوف.. وتوقفت عن الحفظ ورجعت للمراجعة فقط لما حفظته.. ولكن كأنه حفظ جديد فتوقفت عن الحفظ.. وأنا في غاية الأسف إلى أن أجد حلا أو طريقة للمراجعة.. وفي نفس الوقت خائفة جدا مما نسيته من سورة البقرة.

 

مع العلم أني والحمد لله أقرأ القرآن كل يوم غير ما حفظته، ولكن لن أستطيع أن أقرأ كل ما حفظته كل يوم خصوصاً عندما أنتهي من حفظ أجزاء كبيرة.. لقد حاولت بداية الحفظ من الجزء الثلاثين لأنه صغير، وبسيط ولكني كنت أخطئ فيه فبدأت من سورة البقرة، وكانت سهلة جدا في الحفظ، وكنت أقرأ التفسير وأفهم الآيات قبل الحفظ .

 

 

 

أنا حزينة وأبكي جدا من هذه المشكلة.. وأريد أن أحفظ القرآن، ولكنني لا أعرف كيف وقد أشار عليّ من أحفظ معهم بعرض مشكلتي على موقعكم الموقر. فهل هذا نتيجة لعدم ثقة بالنفس.. أتمنى أن يكون هذا، أم أن الله حجز عني هذه النعمة بسبب ذنب أذنبته أو خطأ ارتكبته ؟.. أخاف جداً ألا يكون الله راضياً عني. أنا لا أعرف الحل.. فهل يمكن أن تساعدوني ؟.

 

 

 

المستشار محمد عبد الفتاح المهدي , الأستاذ مسعود صبري

الرد

 

يقول الدكتور محمد المهدي :

 

 

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبارك الله دينك وأهلك ومالك..

 

أرى أن لديك حرص طيب على حفظ القرآن وحماس كبير لذلك ، وقد بدأت القرآن من آخره ( الجزء الثلاثين ) ثم عدت لأوله ( سورة البقرة )، وكنت تحفظين صفحتين كل أسبوع وهو معدل مناسب ، وتحفظين كذلك مع مجموعة، وهذه ميزة طيبة تساعد على الحفظ.

 

 

 

لكن عندما واجهتك مشكلة النسيان – وهى أمر طبيعي- شعرت بالقلق لأنك لا تريدين أن يحول بينك وبين حفظ القرآن شيء، ومع هذا كنت مستمرة فى محاولاتك، إلى أن جاء اليوم الذي سمعت فيه أن “أكثر الناس عذابا يوم القيامة هو من يحفظ القرآن وينساه”، ولست أدرى مدى صحة هذا الحديث، ولكن على أي حال فقد ترك أثرا كبيرا فى نفسك حيث تحول القلق إلى خوف شديد فتوقفت عن حفظ الجديد وعدت تحاولين تثبيت القديم واسترجاعه فصعب عليك القديم والحديث.

 

 

 

وهناك ظاهرة تسمى “الانغلاق” وهى الشعور بأن ما حفظناه قد محي تماما من رأسنا حين نحاول استرجاعه دفعة واحدة، وهذا يحدث كثيرا قبل وأثناء الامتحانات، وسببه القلق الشديد على المادة المحفوظة ومحاولة استرجاعها دفعة واحدة. والذاكرة تتكون من ثلاث مراحل: التسجيل ثم التخزين ثم الاسترجاع. ولكي تتم هذه العمليات بكفاءة يجب أن يكون الإنسان في حالة هدوء وصفاء ذهني وأن يحب ما يحفظ، وأن يكون في مكان هادئ، وأن يبتعد عن كل ما يشوش وعيه قبل وبعد الحفظ.

 

 

 

وقلقك الشديد على عملية الحفظ قلل كثيرا من كفاءة حفظك فازداد قلقك أكثر فضعف حفظك أكثر وأكثر، إلى أن سمعت الحديث فأصبت بحالة خوف شديد فتوقفت قدرتك على الحفظ أو كادت أن تتوقف. والقلق والخوف من المشاعر التي تجعل الحفظ غاية في الصعوبة؛ لأنهما يؤثران في كل خطوات الذاكرة وعملياتها سابقة الذكر.

 

 

 

والحديث الذي أثار فزعك – إن صح سندا ومتنا- فإنه يشير إلى النسيان الصادر عن الإهمال والهجر واللامبالاة بكلام الله، ولا يشير إلى ما يعترى الإنسان من نسيان طبيعي بحكم الظروف النفسية والبيئية، والذي يؤكد هذا المعنى قول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فالإنسان لا يحاسب على النسيان الطبيعي، وفي الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

 

 

 

والنسيان كما قلنا ظاهرة طبيعية، وقد وجد أن الإنسان إذا قرأ شيئا مرة واحدة دون أن يسترجعه فإن فرصة تذكره بعد أسبوعين تكون حوالي 20%، أما إذا قرأه واستعاده من ذاكرته ( أي حفظه) فإن فرصة تذكره تصل إلى 65-75%، فإذا راجعه مرة ثانية بعد أسبوعين تصبح فرصة تذكره حوالي 85%، فإذا راجعه مرة ثالثة تصبح فرصة تذكره بعد أسبوعين حوالي 95%، ولكن مع مرور الوقت وعدم استعادة المادة المحفوظة يضعف تذكرها شيئا فشيئا ولكنها تكون قابلة للتنشيط مرة أخرى.

 

 

 

نقول لك هذا كي تعطى اعتبارا للقوانين الطبيعية في التذكر والنسيان، وإذا كانت هذه قوانين طبيعية فلا يجب أن ننزعج منها. والناس يتفاوتون في قدرتهم على الحفظ، وهذا لا يرتبط بالضرورة بدرجة الذكاء، والحفظ يكون أسهل في الصغر حيث المخ ما زال خاليا من المشاغل والتشويش، ويكون أفضل وسط مجموعة، ويكون أفضل لو نام الشخص بعده مباشرة حيث يتم تثبيته والاحتفاظ به في الذاكرة طويلة الأمد أثناء النوم، ويكون أفضل لو فهم الإنسان معنى ما يحفظه، ويكون أفضل لو مارس الإنسان ما يحفظه في حياته اليومية.

 

 

 

وقد وجد أن النوم له أهمية كبيرة في تثبيت الحفظ فالناس الأفضل نوما (من حيث الكم والكيف) يحفظون أفضل، لأن عملية نقل المعلومة من الذاكرة المتوسطة إلى الذاكرة طويلة الأمد تتم أثناء النوم.

 

 

 

والصحابة رضوان الله عليهم جميعا لم يكونوا يحفظون القرآن أو أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم بنفس الدرجة، ولم ينزعج أحد منهم لذلك، ولم يصروا أن يصبحوا جميعا فى درجة حفظ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حفظ القرآن ولا أبى هريرة رضي الله عنه في حفظ الحديث، ولكنهم كانوا جميعا حريصين على أن تكون حياتهم قائمة على القرآن سواء حفظوه أو لم يحفظوه، وعاشوا تميزهم فى مجالات أخرى عديدة، فالله سبحانه وتعالى قد قسم الأرزاق والملكات بين الناس.

 

 

 

فإذا قل قلقك وزال خوفك وأصبحت أكثر طمأنينة وتذكرت قوانين الذاكرة والنسيان التي ذكرناها، فإن ذلك يساعدك كثيرا على الحفظ. واعلمي أن الحماس تجاه الأشياء الطيبة دافع لإتمامها ولكنه إذا تجاوز الحدود المعقولة أصبح مشوشا وأحيانا عائقا ضد الإجادة حيث يؤدى للعجلة والصخب والاضطراب. وتذكري قول رسولنا الكريم: “إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق“.

 

 

 

وأنت محقة في ربطك بين رضي الله وسهولة الحفظ، وهذا ما ذكره الإمام الشافعي فى شعره :

 

شكوت إلى وكيع سوء حفظي*** فأرشدني إلى ترك المعاصي

 

وأخبرني بأن العــلم نـور*** ونور الله لا يهدى لعاص

 

 

 

وهذا يدفعك لمراجعة أخطائك، والتوبة منها وزيادة رصيد حسناتك، ولكن لا تبالغي فى الشعور بالذنب؛ لأن هذا يزيد من حالتي القلق والخوف اللذين تكلمنا عن أثرهما السلبي على عمليات الذاكرة. واعلمي أنك ستؤجرين – إن شاء الله – على محاولاتك، وعلى صعوباتك سواء نجحت في الحفظ أم لم تنجحي، وتذكري أن تنزيل القرآن على السلوك اليومي ربما يفوق حفظه في الذاكرة.

 

 

 

ويقول الأستاذ مسعود صبري الباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطية بالكويت:

 

 

 

الأخت الفاضلة:

 

جزاكم الله تعالى خيراً على حرصك على حفظ كتاب الله تعالى، فعملك من الأعمال الطيبة التي يثاب المرء عليها إن شاء الله.

 

 

 

غير أن الله تعالى حين أنزل علينا الكتاب لم يجعل الهم الأول له، ولا المقصود منه حفظه، وإن كان لحافظه مكانة كبيرة عنده، غير أن الحفظ ليس مقصودا لذاته، بل مقصود منه أن نتحلى بالقرآن الكريم والعمل به، وكلما كان الإنسان حافظا للشيء، ساعده على العمل بما حفظ.

 

 

 

المهم في العلاقة مع القرآن أمور، هي :

 

 

1. أن ندرك أن الغاية من القرآن هي الهداية، وأنت تقرئين في سورة البقرة :(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين).

 

2. أن تكون هناك صحبة للقرآن من خلال القراءة اليومية له بورد ولو كان قليلا.

 

3. أن يسعى المرء للحفظ قدر طاقته ، وأن يعرف ما يمكن أن يفيد منه حسب استطاعته.

 

4. أن حفظ القرآن الكريم ليس وقفا على حفظ الآيات والحدود والرسوم ، بل حفظ المعاني والقيم والمبادئ والأخلاق هي المقصود الأول، ولهذا ما سئلت السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت :” كان خلقه القرآن” ، وفي رواية :” كان قرآنا يمشي بين الناس“.

 

 

 

وما أحسن ما قاله سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه : “إنّا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإنّ من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به”. وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما : (لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين الفاتحة إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدقل. أي التمر الرديء!! فحفظ لب القرآن مقدم على حفظ كلماته، وإن رزق الله الجمع بين الأمرين فخير وبركة.

 

 

 

أن توظيف الطاقات في خدمة الإسلام من الأمور التي يجب أن ننتبه لها، فخالد بن الوليد – رضي الله عنه – لم يكن يحفظ إلا قصار السور، لانشغاله بالجهاد، وصلى بالناس وأخطأ في سورة قصيرة، ولم يكن كل الصحابة يحفظون كل القرآن، فمنهم من كان يحفظه كله، أو نصفه أو ثلثه أو ربعه، أو أجزاء منه.

 

 

 

أما حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنبا هو أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها”. فهو حديث ضعيف لا يثبت عند أهل العلم.

 

 

 

نسأل الله تعالى أن يرزقنا صحبة كتابه، وأن نتذوق حلاوته في قلوبنا، وأن يهبنا العمل به في حياتنا، وأن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم..

 

 

2 تعليقان

  1. جزاكم الله خيرا , وجعله الله في ميزان حسناتكم يوم القيامة.

    يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك

  2. جزاك الله خيراً أنا نفس الحالة عندي حماس لحفظ كتاب الله ولكن النسيان كثير ما يجعلني أتوقف عن حفظي وبعد كلماتك بإذن الله سأواصل وابدأ من جديد مع العمل به إن شاء الله مشكور على المعلومات القيمة .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: