كيف ننتفع بالقرآن؟ ..بدون سرحان

إعداد/ حسام العيسوى إبراهيم

 

إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه

 

مما لا شك فيه أن من يقبل على القرآن مستشعرا أنه خطاب من الله عز وجل موجه إليه ،يحمل فى طياته مفاتيح سعادته في الدنيا والآخرة ،وأنه القادر بإذن الله على تغييره مهما كان حاله .. لا شك أن هذا الشخص لا يحتاج إلى من يدله على وسائل تعينه على الانتفاع بالقرآن لأنه بهذا الشعور قد أصبح مهيأ للتغيير الذي يقوم به القرآن أما وإنه من الصعب علينا في البداية أن نكون كذلك بسبب ما ورثناه من أشكال التعامل الخاطىء مع القرآن مما جعل حاجزا نفسيا بيننا وبينه يمنعنا من الانتفاع الحقيقي به أما والأمر كذلك فإن عودتنا إلى القرآن تحتاج إلى وسائل سهله وعملية ومحددة تعين صاحبها على إدارة وجهه للقرآن والإقبال على مأدبته ،والدخول إلى دائرة تأثير معجزته بصورة متدرجة.

 

 ومن أهم هذه الوسائل التي تحقق الغرض :-

 

1-    التوبة النصوح

 

فإن التوبة تجب ما قبلها والله يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ،ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل ،والمعاصي والسيئات حجاب يحجب بين الإنسان ومولاه .فبالتوبة النصوح تنقلب حياة الإنسان إلى النور بعد الظلمة ،وإلى الهداية بعد الضلال قال تعالى

 

أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا “[جزء من الآية 122 –الأنعام] وقال تعالى ” فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ “[125- الأنعام] هكذا التوبة تغير حال الإنسان إلى الأفضل والأعجب أنها تبدل السيئات إلى حسنات ،ولا شك أن القرآن نور الله عز وجل لا يعطى هذا النور إلا من صفا قلبه من كل حب سوى الله عز وجل قال تعالى :

 

قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ “[24- التوبة]وما أفضل ما قاله الشافعي رضي الله عنه

 

شكوت إلى وكيع سوء حفظي           فأرشدني إلى ترك المعاصي

 

وقال إن العلم نور                      ونور الله لا يهدى لعاص

 

فالقرآن نور الله عز وجل قال تعالى :

 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً “[174- النساء] وهذا النور من الله عز وجل لا يهديه إلا لمن صفت نفسه وزكا قلبه وطهرت جوارحه من كل شىء سوى الله عز وجل وقد حدد الدكتور مجدي الهلالي في كتابه القيم (كيف ننتفع بالقرآن؟) وسائل أخرى عملية في كيفية الانتفاع بالقرآن الكريم وهى:

 

2-    الانشغال بالقرآن

 

بمعنى أن يكون القرآن شغلنا الشاغل ،ومحور اهتمامنا ،وأولى أولوياتنا ،ولكي يكون القرآن كذلك لابد من المداومة اليومية على تلاوته مهما تكن الظروف ،وأن نعمل على تفريغ أكبر وقت له ،فالتغيير القرآني تغيير بطىء ،وهادئ ،ومتدرج، ولكي يؤتى ثماره لابد من استمرارية التعامل معه ،وألا نسمح بمرور يوم دون اللقاء به .ولنعلم جميعا أنه على قدر ما سنعطى القرآن سيعطينا ،فمن استطاع أن يجعل له فى يومه عدة لقاءات مع القرآن فقد حاز قصب السبق

 

3-    التهيئة الذهنية والقلبية

 

لكى يقوم القرآن بعمله لابد من تهيئة الظروف المناسبة لاستقباله ومن ذلك وجود مكان هادىء بعيد عن الضوضاء يتم فيه لقاؤنا به ،فالمكان الهادىء يعين على التركيز وحسن الفهم وسرعة التجاوب مع القراءة ويسمح لنا ذلك بالتعبير عن مشاعرنا إذا ما استثيرت بالبكاء والدعاء ، ومع وجود المكان الهادئ علينا أن يكون لقاؤنا بالقرآن في وقت النشاط والتركيز لا فى وقت التعب والرغبة فى النوم ، ولا ننسى الوضوء والسواك هذا بالنسبة للتهيئة الذهنية ، أما التهيئة القلبية فالمقصد منها تهيئة المشاعر لاستقبال القرآن ومن ثم سرعة التأثر به وهذا يستدعى منا أن نعمل على استجماع مشاعرنا قبل القراءة ووسائل ذلك كثيرة منها :الدعاء وتذكر الموت والاستماع إلى المواعظ ،فإن لم تقدر على ذلك ،فليكن التباكي عند القراءة وسيلتنا الميسرة لتلك التهيئة

 

4-    القراءة المتأنية

 

علينا ونحن نقرأ القرآن أن تكون قراءتنا متأنية هادئة مسترسلة ، وهذا يستدعى منا سلامة النطق وحسن الترتيل كما قال تعالى “ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً “[من آية 4- المزمل ] وعلى الواحد منا ألا يكون همه عند القراءة نهاية السورة ،ولا ينبغى أن تدفعه الرغبة فى ختم القرآن إلى سرعة القراءة فلقد ختمنا القرآن قبل ذلك مرات ومرات فأين ثمرة هذه الختمات وما الذي تغير فينا ؟

 

5-    التركيز مع القراءة

 

نريد أن نقرا القرآن كما نقرأ أي كتاب ،فعندما نقرأ أي كتاب ،أو مجلة ،أو جريدة فإننا نعقل ما نقرأه ،وإذا سرحنا في موضع من المواضع عدنا بأعيننا إلى الوراء وأعدنا قراءة ما فات على عقولنا ، وما دفعنا إلى ذلك إلا لنفهم المراد من الكلام وهذا ما نريده مع القرآن أن نقرأ بحضور ذهن فإذا ما سرحنا في وقت من الأوقات علينا أن نعيد الآيات التي شردت الأذهان عنها .نعم فى البداية سنجد صعوبة في تطبيق هذه الوسيلة بسبب تعودنا في التعامل مع القرآن كألفاظ مجردة من معانيها ،ولكن بالمداومة والمثابرة سنعتاد بمشيئة الله القراءة بتركيز وبدون سرحان

 

6-    التجاوب مع القراءة

 

القرآن خطاب مباشر من الله لجميع البشر ،لي ،ولك، ولغيرنا …هذا الخطاب يشمل ضمن ما يشمل أسئلة وإجابات ،ووعد ووعيد ،وأوامر ونواه ،وتنفيذ أوامره بالتسبيح أو الحمد أو الاستغفار أو السجود عند مواقع السجود …والتأمين على الدعاء،والاستعاذة من النار ،وسؤال الجنة ،ولقد كان هذا من هدى النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ….ولعل القيام بهذه الوسيلة يساعدنا على زيادة التركيز عند القراءة وعدم السرحان

 

7-    أن نجعل المعنى هو المقصود

 

البعض منا عندما يشرع في تدبر القرآن ،تجده يقف متمعنا عند كل لفظ فيه مما يجعل التدبر عملية شاقة عليه وما يلبس أن يمل فيعود أدراجه إلى الطريقة القديمة في القراءة دون فهم ولا تدبر فكيف لنا إذن أن نقرأ القرآن بتدبر وسلاسة في نفس الوقت ؟

 

الطريقة السهلة لتحقيق هذين الأمرين معا هو أن نأخذ المعنى الإجمالي للآية ،وعندما نجد بعض الألفاظ التي لا نفهم معناها ،فعلينا أن نتعرف على المعنى من السياق ،كمن يقرأ مقالا ولا يعرف معاني بعض الكلمات ، فإنه يفهم المعنى الإجمالي من السياق ،وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال

 

“إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا ،بل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به ،وما جهلتم فردوه إلى عامله ” رواه أحمد وبن ماجه

 

وبهذه الطريقة تصبح قراءة القرآن بتدبر سهلة وميسرة للجميع . وليس معنى ذلك عدم النظر في كتب التفسير ومعاني الكلمات ،مما لا شك فيه أن للتفسير دور كبير في حسن الفهم ،وله دور أساسي في معرفة الأحكام الشرعية ، والتي لا ينبغي علينا ألا نستنبطها بمفردنا من القرآن ، ومع أهمية دور التفسير إلا أنه ينبغي أن يكون له وقته الخاص به ،والغير مرتبط بوقت القراءة فنحن لا نريد أن نخرج من لقاءنا بالقرآن بزيادة الفهم فقط ولكن نريد القلب الحي كذلك ،وهذا يحتاج إلى اللقاء المباشر مع القرآن والسماح بقوة تأثيره أن تنساب داخلنا وتتصاعد من خلال الاستمرار فى القراءة ،والاسترسال مع الآيات والتجاوب معها

 

8-    ترديد الآية التي تؤثر في القلب

 

وهذه هي أهم الوسائل التي تعين على سرعة الانتفاع بالقرآن فالوسائل السابقة مع أهميتها القصوى ،إلا أنها في النهاية تخاطب العقل الذي يعد محلا للعلم والمعرفة ،أما الإيمان فمحله القلب .والقلب هو مجموع العواطف والمشاعر داخل الإنسان وعلى قدر الإيمان فيه تكون الأعمال الصالحة التي تقوم بها الجوارح ،ومعنى ذلك أن الإيمان عاطفة ومشاعر وأن لحظات التجاوب والانفعال التي نشعر بها في دعاؤنا أو صلاتنا أو قراءتنا للقرآن تؤدى إلى زيادة الإيمان في قلوبنا

 

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء همومنا وأحزاننا واجعلنا من أهله يا رب العالمين

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

إمام وخطيب ومدرس

 

دراسات عليا علم النفس التربوي

 

h_sneed79@yahoo.com

 

2 تعليقان

  1. من موقع منارات
    http://www.manaratweb.com/news.php?newsid=1687

  2. البريد الوارد في المقال لكاتبه حسام العيسوي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: