والله لا أفارق صاحبتي

“و الله لا أفارق صاحبتي !”

 

هي قصة أرفع و أسمى و أعجب و أكرم من أن يمهد لها . بطلتها زينب الكبرى – رضي الله عنها ، كريمة الحبيب المصطفى –عليه الصلاة والسلام – و السيدة المطهرة خديجة –رضي الله عنها – ، سليلة بيت من أعرق البيوت و أطهر الأنساب . و بطلها هو أبو العاص بن الربيع ، ابن أخت السيدة خديجة الطاهرة المطهرة ، فهي خالته ، و حسبه من الشرف أن الحبيب المصطفى قال فيه : ” و الله ما ذممناه صِهْرا ، حدثني فصدقني ، ووعدني فأوفى لي ” .

يبدأ حديثنا مع بداية سطوع الشمس المحمدية ، و حمل راية الرسالة ، فآمن بها أول من آمن زوج الحبيب و كريماته . و كانت رقية و أم كلثوم –رضي الله عنهما – قد تزوَّجتا من عُتبة و عُتَيبة ابني أبي لهب و امرأته حمالة الحطب ، في حين كانت زينب –رضي الله عنها – زوجة أبي العاص بن الربيع –رضي الله عنه . فلما صدع الحبيب بأمر ربه ، ائتمرت به قريش ، و أرسلوا إلى أصهاره أن ” قد فَرَّغْتموه من همه ، فاشغلوه ببناته ” ، يريدون أن تُطلَّق بنات الحبيب المصطفى . و ما كان أبو لهب و لا حمالة الحطب بحاجة إلى من يوعِز لهما ، فقد سار لهما أبوهما مسلوب النخوة ليعلن : “رأسي من رأسَيْكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد ” ، ففعلا .

 

أما العاص بن الربيع فقد أبَى بحسم ان يطلق زوجه الكريم ، و قال : ” لا والله لا أطلقها و لا أفارق صاحبتي ، و ما أحب أنَّ لي بامرأتي امرأة من قريش ” . و إنه على شدة حبه لها ، لم يُسلِم أول الأمر كما أسلمت ، و خلد التاريخ كلمات ذلك الصهر الشريف ، الذي يعرف الحق لأهله وإن خالفه هو :

( و الله ما أبوك عندي بمتهم ، و ليس أحب إلي من أن أسلك معك يا حبيبة في شِعْب واحد ، لكني أكره أن يقال : إن زوجك خذل قومه ، و كفر بآبائه إرضاءا لامرأته ، فهلا عذرتني يا زينب ؟ )

 

ثم يهاجر الحبيب المصطفى –عليه الصلاة والسلام ، و تهاجر كريمتاه أم كلثوم و فاطمة ، و قد سبقتهما رقية مع زوجها عثمان بن عفان – رضي الله عنهم أجمعين ، و تظل زينب مع زوجها أبي العاص في مكة ، و قلبها ما بين كسير على فراق الأحبة و آمل في تغير موقف زوجها .

و تتطور الأحداث سراعا حتى غزوة بدر الكبرى ، و ترى زينب أبا العاص في مكة يرتدي سلاحه مُكْرَها ، و يخرج من داره متثاقلا ، و تحين منه التفاتة إلى الدار ، فتتلاقى العيون … إنه خارج لقتال أبيها !!! و هي الحبيبة لو بيده يفديها ! و تطرق الكريمة في ألم ، فإما أن تفقد الزوج أو تفقد الوالد ، و كلاهما مصاب أليم . لك الله أيتها الغالية ، فلْيَرْقَأ دمعك و ليطمئن بالك فإن الله ناصر أباك و غير خاذلك . و ينقشع غبار المعركة عن نصر مُؤَزَّر للمسلمين ، و يساق الأسرى ، و فيهم الزوج الحبيب و الصِّهر الكريم أبو العاص ، أسره عبد الله بن جبير الأنصاري . و يعلم الحبيب المصطفى – و هو الرحمة المهداة – أن أولئك الأسارى فيهم أب أو زوج أو ابن لمسلم من المهاجرين ، فيوصي بهم : “استوصوا بالأسارى خيرا ” . ثم يرسل في طلب زوج ابنته زينب و يبقيه عنده في بيته – صلى الله عليه و سلم .

و بعث أهل مكة في فداء أسرى بدر ، فكان فيمن أرسل ابنة الحبيب الكريمة و الزوجة الوفية ، أرسلت أثمن ما تملك فداء للزوج الغالي . و ينظر الحبيب فإذا بين يديه قلادة زوجته الطيبة المطهرة السيدة خديجة – رضي الله عنها ، قد أهدتها لابنتها زينب يوم أن زُفت إلى أبي العاص ، و ها هي الابنة ترسلها فداءا لزوجها . فتدرك الحبيبُ الرقة و الرحمة فيبكي تأثرا ، و تتحدر حبات الجُمَان واحدة تلو الأخرى فوق القلادة الشريفة في اليد الشريفة ، و يدرك المسلمون التأثر لحبيبهم عليه أكرم الصلاة و السلام ، و يسكن الجميع كأنما على رؤوسهم الطير . ثم يرفع الحبيب رأسه ، و يقول لأصحابه : ” إن رأيتم ان تُطْلِقوا لها أسيرها ، و تردوا لها ما عليها فافعلوا ” ، و تسابق الجميع لاسترضاء الحبيب الغالي الذي لو شاء أمر ، و ردوا ” نعم و نعمة عين يا رسول الله ” . و أُطلق الأسير ، و عاد يحمله قلبه على جناحين ، ولولا هم يثقله لكان طوى الأرض طيا إلى تلك الحبيبة .

 

و عاد فإذا هي على الباب تستشرف وصوله ، و خفق القلبان ، و تلاقت عيناها الوادعتان بعينيه فأشاح ببصره ، و أمسك دموعا كادت تَطفُر . و أفضى إليها بما عاهد عليه أباها عليه الصلاة و السلام : ” لقد طلب أبوك أن أردك إليه ، لأن الإسلام يفرق بيني و بينك فلا تحلين لي ، و قد وعدته أن أدعك تسيرين إليه و ما كنت لأنكث عهدي ” .

و ربط الله تعالى على قلب المؤمنة الصابرة فثبت للامتحان ، و ركبت مع ولديها علي و أُمامة بعيرا جهزه لها زوجها ، و أمر أخاه “كِنانة بن الربيع ” أن يأخذها إلى حيث ينتظرها زيد بن حارثة و رجل من الأنصار بأمر الحبيب المصطفى ليصحباها إلى المدينة . ووقف هو تلك المرة على باب الدار ، يملأ عينيه قدر ما يستطيع من صاحبته ، رفيقة الدرب ، و أم علي و أمامة . و حانت منها التفاتة أخيرة فألفى دمعا ينساب في استحياء على خديها ، إنها صابرة محتسبة ، و لكنه ألم الفراق . و سار البعير بهودجه ما يدور في خلده أن على ظهره أكرم كريمة و أغلى حبيبة .

و كانت زينب –رضي الله عنها – آنذاك حاملا ، و قد خرج بها كنانة نهارا ، و قريش لا تزال موتورة من الهزيمة النَّكراء التي ألحقها بهم المسلمون في غزوة بدر ، فخرج إليها رجال منهم يمنعونها ، و كان أول من لحقها هبار بن الأسود – أخسأه الله – روعها برمحه فوضعت جنينها . فتأهب كنانة للدفاع عنها ، و نثر سهامه بين يديه و صاح فيهم : ” و الله إنكم لتعلمون أني أرمي فما أخطئ ، و لا يدنون مني رجل إلا وضعت فيه سهما .” فأقبل عليه أبو سفيان و قال : “أيها الرجل كف عنا نبلك نكلمك” . فكفَّ عنهم ، فتقدم إليه أبو سفيان و قال : “إنك لم تُصِب ، خرجت بالمرأة على رءوس الأشهاد علانية و قد عرفت مصيبتنا و نكبتنا ، فيظن الناس فينا الضعف و الوهن ، و أن ذلك من ذل ما أصابنا . و لعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، و لكن ارجع بها ، حتى إذا هدأت الأصوات و تحدث الناس أن قد رددناها فاخرج بها سرا و ألحقها بأبيها” .فلما شفيت رضي الله عنها من آثار السقط ، استأنفت الرحلة إلى أبيها عليه الصلاة و السلام ، و لما علم –صلى الله عليه وسلم – منها بما كان ، أمر بقتل هبار فقُتل بعد ذلك .

 

أما ما كان من أمر الحبيبين ، فقد ظلا على البَيْن (الفراق) مدة ست سنوات كاملة ، احتوى فيها الكريمة بيت النبوة و الأبوة ، و انشغل فيها الكريم بتجارته – أو تشاغل- و ما شارك في معركة ضد المسلمين بعد بدر . حتى إذا كانت السنة السادسة من الهجرة قبيل فتح مكة ، خرج أبو العاص في تجارة لقريش ائتمنوه فيها على مالهم ، لما كان له من بَاعٍ (سمعة وصِيت) في حفظ الأمانات . و لما قَفَل راجعا ، لاقته سرية من سَرايا الرسول صلى الله عليه و سلم ، فأصابوا ما معه ، و فر هو بنفسه ، و دخل المدينة ليلا خائفا يترقب .

و مضى الصهر الكريم ، يجوب طرقات المدينة في توجس ، و عيناه تجوسان خلال الديار في لهفة ، حتى وقع بصره على غايته ، و أسرع إلى دارها يسبقه قلبه ليطرق على الباب . و تؤَمِّنه الزوجة الوفية الكريمة ، و تجيره . حتى إذا كانت في صلاة الفجر ، و كبر الحبيب و من بعده المسلمون ، صاحت زينب من بين صفوف النساء : ” أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع ” .فلما سلم الحبيب المصطفى من الصلاة ، قال : ” أيها الناس ، هل سمعتم ما سمعت ؟ و الذي نفسي محمد بيده ما علمت بشئ من ذلك حتى سمعت ما سمعتم ” . ثم أردف ” ” إنه يجير على المسلمين أدناهم ، و قد أجرنا من أجرت يا زينب ” . ثم ذهب الأب الحنون إلى بيت الكريمة الأصيلة ، و قال لها : ” أكرمي مثواه يا بنية ، و لا يخلصن لك ، فإنك لا تحلين له ” .

ثم قام الأمين عليه أكرم الصلاة و أجل التسليم ، فجمع أفراد السرية ، و قال لهم في رفق القائد الذي ما برح حب أصحابه له يملك عليهم لبهم ، فإنهم ليتَنَسَّمُون منه إشارة بإصبعه يتبادرونها جميعا أيهم يسبق إلى إرضائه ، قال لهم : ” إن هذا الرجل منا حيث علمتم ، و قد أصبتم له مالا ، فإن تحسنوا و تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك ، و إن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم فأنتم أحق به ” . و إن كانت لتكفي أن يقول الحبيب المصطفى : “إنا لنحب ذلك”، حتى يسارع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كلهم يبتدر أخاه : ” بل نرده عليه يا رسول الله حبا و كرامة ” ، حتى إن الرجل كان ليجيء بالدلو فيرده إليه .

و لقي بعض المسلمين أبا العاص يجهز نفسه للرحيل ، فقالوا له : ” هل لك في أن تُسْلِم و تأخذ الأموال لك ، فإنها أموال مشركين ” ، فرد رد رجل جدير بأن يكون صهر الحبيب ، و ابن أخت الطاهرة الطيبة ، و زوج العقيلة الكريمة المحتد ، قال :

” بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي “

و يعود أبو العاص إلى مكة . حتى إذا رد الأمانات إلى أهلها ، نادى فيهم : “يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي شئ ؟” قالوا : “لا ، فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما” .فصدح فيهم : ” فأنا أشهد ألا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، و الله ما منعني من الإسلام عنده إلا أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أداها الله إليكم ، و فرغت منها أسلمت ” . و مضى ينهب الأرض نهبا ، و يطوي المسافات طيا إلى مليكة قلبه . و أخيرا كان اللقاء المنتظر بعد طول بين ، و ما زاد الفراق شوقيهما إلا حرارة و تأججا ، و ما زاد اللقاء قلبيهما إلا التحاما و تماسكا .

فليهنأ هذا البيت المبارك بأكرم عقيلة و أشرف صهر ما وجد إلى الهناءة سبيلا ، و ليتقلب في أعطاف الرحمة النبوية ما استطاع ، و ليتزود الحبيبان من الأنس ما لاح لهما قريبا من متناولهما ، فإن لوعة الفراق الثاني بعد بهجة اللقاء الثاني لقريبة .

عام واحد ألقى فيه اللقاء بظلال الأنس و البهجة على ذلك الشمل المبارك ، الذي التحم بعد طول تصدع . ثم عاد الفراق يحن لينسج خيوطه في جنبات الروضة الغناء ، و قد كان له ما أراد . ماتت الحبيبة الكريمة في أول السنة الثامنة للهجرة ، و قد تساقط من أوراق عمرها المجيد المبارك واحد و ثلاثون ورقة . و أكب الزوج الملتاع على رفيقة الدرب تبكيها عيناه دموعا ، و يبكيها قلبه دما ، و راح يناجي الجسد المسجى في حرقة ، حتى أبكى من حوله . و بكى الحبيب المصطفى ابنته ، و أشرف على غسلها ، و صلوا عليها في المسجد النبوي ، و شيعتها قلوب مثقلة بألم الفراق إلى مرقدها الأخير . و عاد أبو العاص يجر رجليه جرا إلى منزل كان منذ سويعات أحب بقاع الأرض إلى نفسه ، فغدا الآن أوحشها . و كيف يأنس بدار أقفرت من حبيبة هي أكرم حبيبة ، و عَقِيلة (زوجة) هي أوفى عقيلة ، و ابنة هي أبر ابنة ، و كريمة هي أشرف كريمة .

 

ثم كُتب للحبيبين اللقاء الذي لا فراق بعده بعد سنوات أربع ، في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، في السنة الثانية عشرة للهجرة . و تطلع أبو العاص وهو على فراش الموت فرأى وجهها كما عهده دوما ، و شعر كما لو أن أناملها تلامس أنامله تستعجله المجيء ، فرنا إلى ذلك الطيف الحبيب ، و افترَّت ثناياه عن ابتسامة ، و لسان حاله يقول : أهلا بالموت .. حبيب جاء بعد غياب .

ذلكم الحب الصادق..

ذلكم الوفاء..نعم الوفاء .

 

 

﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ

أبلغ حبيبا في ثنايا القلب منزله *** أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه

وإن طرفي لموصول برؤياه *** وإن تباعد عن سكناي سكناه

يا ليته يعلم أني لست أذكره *** وكيف أذكره إذ لست أنساه

 

 

 

خادمة الإسلام

https://guidanceforall.wordpress.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: